انطلقت اللبنة الأولى لجمعية رعاية الأطفال المعوقين بفكرة تبنتها مجموعة من أهل الخير يساندهم عدد من الخبراء والمختصين بهدف دمج هذه الفئة في المجتمع وتخفيف معاناة أسرهم من خلال برامج علمية تدرس الواقع وتحلله لتحديد المشكلات التي تواجه المعوقين ووضع الحلول المناسبة لها، وكان الدكتور غازي القصيبي -يرحمه الله- على رأس المبادرين بإنشاء الجمعية عندما كان وزيرا للصناعة والكهرباء، حيث تم الاتفاق على أن تكون الأولوية بإنشاء دار رعاية المعوقين، فيما كان خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز -أمير الرياض حينها- أول المرحبين بالفكرة.
ورغم أن المبادرة كانت بجهد الأهالي، إلا أن القيادة بادرت بالدعم حيث وجه الملك فهد بن عبدالعزيز عندما كان ولياً للعهد، وزارة المالية بتقديم 40 مليون ريال كمساعدة للمشروع، وهو نفس قيمة المبلغ الذي جمعه الأهالي.
وتم تشكيل أول مجلس إدارة للجمعية العام 1983 برئاسة الدكتور غازي القصيبي لتصبح بذلك كياناً مستقلاً، فيما كان أول تبرع ورد للجمعية من 3 أطفال بقيمة «150 – 100 – 50» ريالا.
ولم يقتصر دور خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز في تأييد الفكرة فقط، بل كان أول من قدم شيكا للجمعية بمليوني ريال ليتواصل دعمه حتى أصبحت واحدة من أفضل المؤسسات التي تهتم بالأطفال المعوقين في الشرق الأوسط.
وكان لمبادرة صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل الأمين العام لجمعية الملك فيصل الخيرية، بالتبرع بقطعة أرض لبناء جمعية المعوقين أثر كبير في أن يصبح المشروع على أرض الواقع قبل الوقت المحدد له، بعد أن تم تحويل المبلغ المخصص للأرض للبناء والذي اكتمل في العام 1986.
واستقبلت الجمعية في الدفعة الأولى من المعوقين 74 طفلاً وطفلة، ليصبح العدد في تزايد سنوي حتى أصبحت الآن تستقبل أكثر من 4 آلاف سنويا، بعد أن توسعت مراكزها في معظم المناطق وتطور دورها من التأهيل إلى العلاج والأبحاث العلمية التي تساعد على تجنب الإعاقة.
وتعد الانطلاقة الحقيقية للجمعية في عهد الأمير سلطان بن سلمان، حيث أصبحت مؤسسة رائدة على مستوى الشرق الأوسط في رعاية الأطفال المعوقين وعلاجهم وتأهيلهم ودمجهم في المجتمع من خلال الدراسة في المدارس العامة وتسهيل فرص العمل لهم.
وأحدث الأمير سلطان خلال قيادته للجمعية والتي قاربت الـ30 عاماً نقلة نوعية كبيرة، على كافة الأصعدة، وامتد نشاطها لجوانب أخرى مثل إنشاء مركز الملك سلمان لأبحاث الإعاقة والذي يعد داعماً للجوانب العلمية للجمعية من خلال الأبحاث التي تقلل من الإصابة بالإعاقة.
وبما أن المال يمثل التحدي الأكبر لاستمرار نشاط الجمعية لتقدم خدماتها مجانا للأطفال، فقد تبنى الأمير سلطان بن سلمان إنشاء مشروعات استثمارية تحقق عوائد مالية لتسيير نشاط المراكز في مختلف المدن.
تُعد جمعية الأطفال المعوقين واحدة من أكبر المؤسسات الخيرية المتخصصة في رعاية الأطفال المعوقين في الشرق الأوسط، حيث تأسست بغرض تقديم الرعاية المتكاملة المجانية لذوي الإعاقة المبكرة، وظلت الجمعية على مدى 37 عاماً ترعى وتعالج وتؤهل أكثر من أربعة آلاف طفل سنوياً من سن الميلاد وحتى سن الثانية عشرة، بجانب دمجهم فـي مدارس التعليم العام، وتبني برامج غير مـسبوقة في التوعية بقضاياهم، وأسهمت الجمعية في تأهيل عشرات الآلاف من الأطفال المعوقين وتجاوزهم لظروف إعاقتهم ودمجهم مع مدارس التعليم العام بعد اكتمال تأهيلهم تربوياً واجتماعياً وطبياً ونفسياً.
إنشاء المراكز المتخصصة
تولت الجمعية إنشاء المراكز المتخصصة لتوفير الخدمة الشاملة للأطفال المعاقون سواء كانت علاجية أو تعليمية أو تأهيلية، ومساندة أسرته في التعايش مع الإعاقة وطرق التعامل معها، بجانب تثقيف وتوعية المجتمع بمسببات الإعاقة وطرق الوقاية منها بقصد تكوين مواقف إيجابية للتعامل مع الإعاقة وقايةً وعلاجاً وبما يمكن من الحد من انتشارها وتفادي حدوث الكثير منها.
كما ساهمت في بناء قاعدة علمية لبرامج رعاية المعوقين مـن خلال دعم البحوث والدراسات في هذا المجال، وتقديم الخدمات الطبية التأهيلية والخدمات التعليمية التأهيلية والخدمات الاجتماعية والتدريب والتطوير والتثقيف والتوعية لفئة المعوقين.
أصبحت جمعية الأطفال المعاقين مركزاً مهماً لتدريب المئات مـن الدارسين المتخصصين في فروع التأهيل والتربية الخاصة وطب الأطفال، بجانب تقدم برامج رعاية اجتماعية شاملة للمئات من الأطفال المعوقين ذوي الظروف الخاصة سنوياً، كما أسهمت في تطوير الخدمات وتوفير التسهيلات المكانية في المرافق العامة للمعوقين.
حرصت الجمعية على توسيع نشاطها في مختلف المناطق لتسهيل تقديم الخدمة للأطفال المعوقين في مقر إقامتهم مما يسهل عليهم في الاستفادة من خدماتها العلاجية والتعليمية والتأهيلية، حيث أنشأت مراكز في الرياض ومكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة والجوف وحائل والباحة وعسير والرس، فيما يجري العمل لافتتاح مراكز في مناطق أخرى، على أن يتم مستقبلاً تغطية جميع مدن المملكة.
ومن أجل ضمان توفير المنصرفات لمراكزها تبنت الجمعية إقامة مشروعات خيرية في المدن والمناطق التي تحتضن مراكزها، حيث اكتمل العمل في معظم هذه المشروعات وظلت تحقق عوائد مجزية، فيما يجري في التي لم تكتمل.
ظلت الجمعية صاحبة مبادرات متفردة في مجال العمل الخيري وخدمة قضية الإعاقة والبرامج التعليمية والتأهيلية وأسست لمنظور جديد في مجال الإدارة الحديثة لمؤسسات العمل الخيري، بجانب مبادرات أخرى ممثلة في مسابقة حفظ القرآن الكريم، وبرنامج «الله يعطيك خيرها» وبرنامج «عطاء الطلاب» وبرنامج «جرب الكرسي» وبرنامج الوقاية من الإعاقة وكيفية التعامل معها وجائزة التميز للأشخاص ذوي الاعاقة وجائزة الخدمة الإنسانية.
أسهمت الجمعية في تحقيق النظام الوطني لرعاية المعوقين والذي أصبح علامة فارقة في تقنين تعامل المجتمع بمختلف مؤسساته وأفراده مع قضية الإعاقة، بجانب تحديد المسؤوليات والمهام المنوطة بالدولة في توفير الرعاية المتكاملة لقطاع المعوقين.
وولد النظام الوطني لرعاية المعوقين بفكرة تبناها الأمير سلطان بن سلمان رئيس مجلس إدارة الجمعية خلال المؤتمر الدولة الأول للإعاقة والتأهيل، حيث تناول تنظيم المزايا والمساعدات الممنوحة لفئة المعوقين واللوائح المنظمة لتيسير استخدامهم للمرافق والمنشآت.
إنجازات بالأرقام
خلال الفترة من 2010 – 2015 أسهمت الجمعية في خدمة 16656 طفلاً في اكتساب مهارات متعددة عبر مراكزها المختلفة، وذلك في سبيل الاعتماد على أنفسهم دون الحاجة لمساعدة من الآخرين، حيث تمثلت على النحو التالي:
127 تعلموا المشي بالعكاز
916 تعلموا الكلام بشكل جيد
981 تعلموا ارتداء الملابس بأنفسهم
1215 تعلموا الاعتماد على أنفسهم في الأكل
826 تعلموا الكتابة
771 تعلموا الكلام بشكل بسيط
875 تعلموا المشي باستخدام المشاية
676 تمكنوا من استخدام الكرسي المتحرك
717 تعلموا المشي باستقلالية دون مساعدة
908 تدربوا على استخدام دورات المياه
769 تم دمجهم في مدارس عادية
771 تعلموا الكلام بشكل بسيط
لم يكن اهتمام الجمعية بالمعوقين فقط بالتأهيل والتدريب والتعليم، فقد عملت أيضاً على توظيفهم من خلال تنظيم ملتقيات للمؤسسات والشركات الخاصة، حيث تم توظيف المئات منهم وفق مقدراتهم، ليصبح بعد ذلك تقديمهم لجميع الوظائف مثل غيرهم دون تفريق بينهم، وهذه من ضمن برامج الدمج التي عملت عليها الجمعية منذ تأسيسها.
ويمثل مركز الملك سلمان لأبحاث الإعاقة من أكبر إنجازات الجمعية حيث كان لإنشائه دور فاعل وكبير وملموس في دعم قضايا الإعاقة، وأحدث علامة فارقة في البرامج التي تقدم للمعوقين على كافة المستويات وخاصة العلاجية بعد أن تولى المركز تنظيم المؤتمرات الدولية لبحث قضايا الإعاقة والمعوقين.
ويدعم المركز إجراء الأبحاث المتقدمة مثل تكنولوجية النانو، الروبوتات، والعلاج بالخلايا. والتي ستحدث تحولاً كبيراً في هذا المجال، ومن أبرز أهدافه سد الفراغ الذي تعاني منه المملكة العربية السعودية في مجال البحث العلمي المتخصص في قضايا الإعاقة ومسبباتها ووسائل تفاديها وعلاجها.
كما أنجز المركز عديداً من المبادرات والبرامج والمشروعات البحثية، التي شملت الحقوق والواجبات والرعاية والتأهيل، لتحسين نوعية الحياة للأشخاص ذوي القدرات الفائقة، وتمكينهم من استغلال أقصى الطاقات الموجودة لديهم، وكذلك أساليب تشخيص وتصنيف الإعاقة والتدخل المبكر، بوصفها أولويات بحثية.
جاءت جائزة الملك سلمان لأبحاث الإعاقة بهدف تشجيع الجهود المحلية والإقليمية والعالمية الرامية إلى إثراء العلم والمعرفة في مجلات الإعاقة المختلفة، وتنشيط حركة البحث العلمي لكونه أهم الوسائل التي يمكن استخدامها في التصدي للإعاقة سواء بالوقاية منها أو الحد من آثارها عند وقوعها. كما تعزز بيئة الإبداع الفكري والتفوق العلمي في مجال الإعاقة بما يكفل إيجاد الطرق والوسائل والحلول والبدائل التي تؤدي إلى الحد من الإعاقة أو التخفيف من آثارها على الأشخاص ذوي الإعاقة وأسرهم.
ومن أبرز إنجازات إنشاء أول مركز بحثي متخصص في شؤون الإعاقة، تنظيم أربع مؤتمرات دولية عن الإعاقة والتأهيل، ودمج أكثر من 200 طفل سنوياً في المدارس وتبني توظيف المعوقين والمعوقات في القطاع الخاص، ورعاية شاملة لأكثر من أربعة آلاف طفل وطفلة سنوياً، والإسهام في تحديث وثيقة المنظمة الدولية للإعاقة، وكذلك تبني فكرة النظام الوطني للمعوقين في المملكة، ومسابقة الأمير سلطان لحفظ القرآن الكريم للأطفال المعوقين.
تطوير منهج متكامل لتعليم الأطفال المعوقين، وتوفير منظومة الخدمات للمعوقين في المنشآت الحكومية والخاصة، وإيجاد دخل دائم لدعم ميزانية التشغيل من خلال مشروعات استثمارية.